arabfilm.net

"دوار شاتيلا"

"دوار شاتيلا"

الخميس 1 أيلول (سبتمبر) 2005

المخيم برمته يبدو في الفيلم جزيرة عائمة غير متصلة بخارج أو بداخل . لعل التحدي في التعاطي مع الموضوع الفلسطيني يكمن اليوم في مقاربته من دون اية أحكام أو أوصاف مسبقة. انها القدرة على التخلص من رواسب الصور العالقة وانتظار ما يمكن ان يولده فيك مكان وبشر استُهلِكوا. هنا تحديداً، يقفز "دوار شاتيلا" في ما يشبه "المجهول".

"دوّار شاتيلا" يقدّم صورة إنسانية راهنة من دون كليشيهات جاهزة

ريما المسمار

يفتتح أبي سمرا فيلمه الوثائقي، الثاني بعد "نساء حزب الله"، "دوار شاتيلا" بمشهد حسي، مجازي ومضلِّل. على شاشة سوداء، يلخص بالاسماء والتواريخ تاريخ النزاعات في لبنان وعليه. مخطط بدائي لأسماء الميليشيات والطوائف ومرجعياتها الداخلية والخارجية وتقاتلها وصوت المخرج في الخلفية بنبرته الساخرة، يستحضران صورة عتيقة. ولكن بشيء من "الخبث" السياسي، تبدو الصورة طازجة، آنية ومستمرة مع تبديلات طفيفة في التحالفات. المشهد هو ايضاً صورة تذهب ابعد من تحديد الاسماء والأطراف. انه خارطة فعلية، اولى محطاتها دائرة، يرسمها المخرج ويسميها "مخيم شاتيلا". انه في الواقع "دوار شاتيلا" الذي يتوسط بالمعنيين الحسي والمجازي الاطراف والنزاعات والاطماع. انه كأي دوّار مفتوح من جوانبه كافة على المكان وهو مرجع للاستدلال والانطلاق. ولكنه مشهد مضلِّل ايضاً لأنه يشكل مقدمة سياسية ساخرة صلبة لفيلم يرسم لاحقاً مساره وإيقاعه الخاصين وذلك أجمل ما في الموضوع. "يخدعنا" اذاً ماهر أبي سمرا ويدفعنا من خلال افتتاحية فيلمه الى توقع عمل تقليدي عن اللاجئين الفلسطينيين في مخيم شهد تاريخاً دموياً عنيفاً. ولكنه في المقابل يطالعنا بعمل لا يقوم على افكار جاهزة وزوايا نظر مستقيمة مباشرة، بل بفيلم يبني رؤيته شيئاً فشيئاً وينقّب في الأزقة والوجوه عن تفاصيل لم تُحكَ ولم تستهلكها الكاميرات. ليس "دوار شاتيلا" فيلماً صادماً. انها الوجوه عينها والأزقة نفسها والحيطان المرشوشة بنوبات فنية معبرة عن سخط أو فرح او مجون التي نعرفها من أفلام وريبورتاجات. ولكن كاميرا أبي سمرا "تصفي" ذلك المزيج التقليدي السائد من البشر والحجر والقضية. هناك في ذلك المكان المحدد بكيلومتر طولاً وستمئة متر عرضاً تفاصيل حياتية يومية عادية صدِّق أو لا تصدِّق! هناك شاب منشغل بكمال الأجسام وبتسريحة الشعر وبالجاذبية القاتلة، يتبختر امام الكاميرا كأنها مرآة.. هناك من يتندرون على حكايات الموت وان كانت شخصية...ثمة من يفكر بالهجرة الى السويد..وهناك من يعاني الوحدة ليس لأنه لاجىء أو لأنه ينتظر "العودة" (كلمات لا نسمعها للمناسبة في الشريط) ولكن لأنه لا يجد رفيقاً سبعينياً مثله لتمضية بعض الوقت معه! القول ان "دوار شاتيلا" يقدم صورة انسانية غير سائدة عن موضوع تحول واحداً من كليشيهات السينما العربية، لا ينصف العمل. لأن تلك المقولة تحولت نمطاً في حد ذاتها ولم تعد سبقاً. لعل التحدي في التعاطي مع الموضوع الفلسطيني يكمن اليوم في مقاربته من دون اية أحكام أو أوصاف مسبقة. انها القدرة على التخلص من رواسب الصور العالقة وانتظار ما يمكن ان يولده فيك مكان وبشر استُهلِكوا. هنا تحديداً، يقفز "دوار شاتيلا" في ما يشبه "المجهول" اللذيذ. حتى عندما تتوقف الكاميرا عند وجهٍ نعرفه تماماً (الاسيرة المحررة كفاح عفيفي)، تنتفي كل اشارة الى ماضيها في وصف الأخير حاملاً لرواسب كثيرة صُوَرِيَّة وفكرية وسواها. صحيح ان "كفاح" هي فرد ولكن تجربتها تحمل ثقل "القضية"، الثقل الذي ينأى الفيلم بنفسه عنه. يتعزز ذلك المنحى من خلال تقديم حكايات لأفراد بهموم يومية. أحدهم يتحدث عن مشكلة رجله المستعصية وآخر عن محاولته وضع خطة لتأمين مستقبله.. انها هموم يومية لأشخاص يحاولون التأقلم مع الحاضر بعيداً من الماضي والمستقبل. ولكن ذلك لا يعني انفصال الفيلم عنهما. يغيب الكلام "الكبير" عن القضية الفلسطينية وعن العودة ولكنه يحضر في المكان. ذلك المكان الذي يكتنز ذاكرة، تعبّر عن نفسها مع كل التفاتة للكاميرا. وذلك المستقبل المجهول المرتسم على وجوه شباب عاطلين عن العمل وحياة تتكرر بدون كلل. يقول احدهم "أشعر ان الزمن يمر بسرعة". مقولة تبدو غريبة للوهلة الاولى في ذلك المكان الذي يحفظ تفاصيل اليوم عن ظهر قلب. ولكن الزمن يمر سريعاً بالفعل عندما تتشابه الايام وتتكرر الأخطاء وتتجمد المصائر. انها الكاميرا التي تقوم بمعظم العمل في هذا الفيلم. مرة أخرى، لا يخترع المخرج جديداً عندما يزرع كاميراه كجزء من المكان، كصاحب دكان، كدكان، كحصى تقذفها الأرجل فتتنقل من زاوية الى اخرى. ولكنه ينجح في أن يكرسها عيناً غير متلصصة ولا ناقدة ولا عابرة.. انها عين اعتادت المكان كأهلها، تهدأ حيناً، تثور أحياناً، تغفو أخرى لتستفيق على مشهد .. هكذا يأتي مشهد الفريق الأجنبي الذي يزور المخيم عادياً غير مصطنع لأن عين الكاميرا لا تستثير به عين المشاهد. وكذلك تنقل شكوى الصبية من لا جدوى هذه الزيارات من دون خطابية رنانة. لا نقول ان الفيلم يسجل يوميات مخيم شاتيلا لأنه في أحيانٍ كثيرة يكثف الزمن ويبني مشهديته عن سابق تصور وتصميم كتصوير شاب في زقاق ضيق ينظر في عدسة الكاميرا. حتى المخيم برمته يبدو في الفيلم جزيرة عائمة غير متصلة بخارج أو بداخل. يختم ابي سمرا فيلمه بمشهد سياسي ساخر تماماً كما افتتحه. تظاهرة داخل المخيم ضد انقطاع التيار الكهربائي (استكمالاً لتركيز الفيلم على مفردات العيش اليومي) لا نعثر على شبيهة لها خارج اسواره، حيث نفترض ان الحياة افضل وأرحب وأكثر حرية...

"دوار شاتيلا" يفتتح أبي سمرا فيلمه الوثائقي، الثاني بعد "نساء حزب الله"، "دوار شاتيلا" بمشهد حسي، مجازي ومضلِّل. على شاشة سوداء، يلخص بالاسماء والتواريخ تاريخ النزاعات في لبنان وعليه. مخطط بدائي لأسماء الميليشيات والطوائف ومرجعياتها الداخلية والخارجية وتقاتلها وصوت المخرج في الخلفية بنبرته الساخرة، يستحضران صورة عتيقة. ولكن بشيء من "الخبث" السياسي، تبدو الصورة طازجة، آنية ومستمرة مع تبديلات طفيفة في التحالفات. المشهد هو ايضاً صورة تذهب ابعد من تحديد الاسماء والأطراف. انه خارطة فعلية، اولى محطاتها دائرة، يرسمها المخرج ويسميها "مخيم شاتيلا". انه في الواقع "دوار شاتيلا" الذي يتوسط بالمعنيين الحسي والمجازي الاطراف والنزاعات والاطماع. انه كأي دوّار مفتوح من جوانبه كافة على المكان وهو مرجع للاستدلال والانطلاق. ولكنه مشهد مضلِّل ايضاً لأنه يشكل مقدمة سياسية ساخرة صلبة لفيلم يرسم لاحقاً مساره وإيقاعه الخاصين وذلك أجمل ما في الموضوع. "يخدعنا" اذاً ماهر أبي سمرا ويدفعنا من خلال افتتاحية فيلمه الى توقع عمل تقليدي عن اللاجئين الفلسطينيين في مخيم شهد تاريخاً دموياً عنيفاً. ولكنه في المقابل يطالعنا بعمل لا يقوم على افكار جاهزة وزوايا نظر مستقيمة مباشرة، بل بفيلم يبني رؤيته شيئاً فشيئاً وينقّب في الأزقة والوجوه عن تفاصيل لم تُحكَ ولم تستهلكها الكاميرات. ليس "دوار شاتيلا" فيلماً صادماً. انها الوجوه عينها والأزقة نفسها والحيطان المرشوشة بنوبات فنية معبرة عن سخط أو فرح او مجون التي نعرفها من أفلام وريبورتاجات. ولكن كاميرا أبي سمرا "تصفي" ذلك المزيج التقليدي السائد من البشر والحجر والقضية. هناك في ذلك المكان المحدد بكيلومتر طولاً وستمئة متر عرضاً تفاصيل حياتية يومية عادية صدِّق أو لا تصدِّق! هناك شاب منشغل بكمال الأجسام وبتسريحة الشعر وبالجاذبية القاتلة، يتبختر امام الكاميرا كأنها مرآة.. هناك من يتندرون على حكايات الموت وان كانت شخصية...ثمة من يفكر بالهجرة الى السويد..وهناك من يعاني الوحدة ليس لأنه لاجىء أو لأنه ينتظر "العودة" (كلمات لا نسمعها للمناسبة في الشريط) ولكن لأنه لا يجد رفيقاً سبعينياً مثله لتمضية بعض الوقت معه! القول ان "دوار شاتيلا" يقدم صورة انسانية غير سائدة عن موضوع تحول واحداً من كليشيهات السينما العربية، لا ينصف العمل. لأن تلك المقولة تحولت نمطاً في حد ذاتها ولم تعد سبقاً. لعل التحدي في التعاطي مع الموضوع الفلسطيني يكمن اليوم في مقاربته من دون اية أحكام أو أوصاف مسبقة. انها القدرة على التخلص من رواسب الصور العالقة وانتظار ما يمكن ان يولده فيك مكان وبشر استُهلِكوا. هنا تحديداً، يقفز "دوار شاتيلا" في ما يشبه "المجهول" اللذيذ. حتى عندما تتوقف الكاميرا عند وجهٍ نعرفه تماماً (الاسيرة المحررة كفاح عفيفي)، تنتفي كل اشارة الى ماضيها في وصف الأخير حاملاً لرواسب كثيرة صُوَرِيَّة وفكرية وسواها. صحيح ان "كفاح" هي فرد ولكن تجربتها تحمل ثقل "القضية"، الثقل الذي ينأى الفيلم بنفسه عنه. يتعزز ذلك المنحى من خلال تقديم حكايات لأفراد بهموم يومية. أحدهم يتحدث عن مشكلة رجله المستعصية وآخر عن محاولته وضع خطة لتأمين مستقبله.. انها هموم يومية لأشخاص يحاولون التأقلم مع الحاضر بعيداً من الماضي والمستقبل. ولكن ذلك لا يعني انفصال الفيلم عنهما. يغيب الكلام "الكبير" عن القضية الفلسطينية وعن العودة ولكنه يحضر في المكان. ذلك المكان الذي يكتنز ذاكرة، تعبّر عن نفسها مع كل التفاتة للكاميرا. وذلك المستقبل المجهول المرتسم على وجوه شباب عاطلين عن العمل وحياة تتكرر بدون كلل. يقول احدهم "أشعر ان الزمن يمر بسرعة". مقولة تبدو غريبة للوهلة الاولى في ذلك المكان الذي يحفظ تفاصيل اليوم عن ظهر قلب. ولكن الزمن يمر سريعاً بالفعل عندما تتشابه الايام وتتكرر الأخطاء وتتجمد المصائر. انها الكاميرا التي تقوم بمعظم العمل في هذا الفيلم. مرة أخرى، لا يخترع المخرج جديداً عندما يزرع كاميراه كجزء من المكان، كصاحب دكان، كدكان، كحصى تقذفها الأرجل فتتنقل من زاوية الى اخرى. ولكنه ينجح في أن يكرسها عيناً غير متلصصة ولا ناقدة ولا عابرة.. انها عين اعتادت المكان كأهلها، تهدأ حيناً، تثور أحياناً، تغفو أخرى لتستفيق على مشهد .. هكذا يأتي مشهد الفريق الأجنبي الذي يزور المخيم عادياً غير مصطنع لأن عين الكاميرا لا تستثير به عين المشاهد. وكذلك تنقل شكوى الصبية من لا جدوى هذه الزيارات من دون خطابية رنانة. لا نقول ان الفيلم يسجل يوميات مخيم شاتيلا لأنه في أحيانٍ كثيرة يكثف الزمن ويبني مشهديته عن سابق تصور وتصميم كتصوير شاب في زقاق ضيق ينظر في عدسة الكاميرا. حتى المخيم برمته يبدو في الفيلم جزيرة عائمة غير متصلة بخارج أو بداخل. يختم ابي سمرا فيلمه بمشهد سياسي ساخر تماماً كما افتتحه. تظاهرة داخل المخيم ضد انقطاع التيار الكهربائي (استكمالاً لتركيز الفيلم على مفردات العيش اليومي) لا نعثر على شبيهة لها خارج اسواره، حيث نفترض ان الحياة افضل وأرحب وأكثر حرية... ريما المسمار المستقبل - الجمعة 26 آب 2005 - العدد 2020 - ثقافة و فنون - صفحة 20

الرد على هذا المقال

SPIP | صفحة نموذجية | | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0