<<دوار شاتيلا>> عنوان فيلم وثائقي جديد للمخرج ماهر أبي سمرا، صوّرت وقائعه في مخيم <<شاتيلا>> للاجئين الفلسطينيين، الواقع جنوبي بيروت. يحاول الفيلم، انطلاقاً من شخصيات مختارة، الغوص في معالم الهوية الفلسطينية الراهنة ربطاً بالواقع السياسي والاجتماعي اللبناني السائد، من غير أن يُهمل التراكمات او الاضافات اللبنانية التي تحيط بهذه الهوية، وتجعل منها شرطا مستحيلا، حيث الاقامة المعلقة على تخوم الوقت. فيلم ابي سمرا على وطأة موضوعه، يستمد وطأة اضافية تتشكل من تفاصيل <<لبنانية>> حقيقية تطبع الهوية الحيرى لتجمّع بشري مأسور. تفاصيل تنساب في مجاري المخيم من غير ان تثير الانتباه اللازم، تلتقطها كاميرا أبي سمرا وتجعل منها شيئاً يستحق الملاحظة. شريط ابي سمرا لا يترك للمشاهد حرية ان لا يتفاعل مع ما يراه. وهو التفاعل المطلوب لجعل الشريط أقدر على امتلاك مساحات تعطي للتأويل أبعاداً غنية، تفتح بدورها على أسئلة هذه الهوية الصعبة والمضنية، الرابضة عند تقاطعات معلقة.
يخيل للمشاهد انه بصدد فيلم من النوع نفسه الذي يروي حكايا الفقر والبؤس والضياع وفق الصورة النمطية التي جعلنا الفلسطيني حبيساً مزمناً لها، واعتدنا عليها في أفلام كثر عملوا على مقاربة فنية للموضوع الفلسطيني، أو من النوع الخطابي الذي لم يملّ بعد من ترداد شعارات بلهاء ومفردات خاوية من اي دلالة ما عدا دلالة البؤس الأمضى، والأبقى بدليل التكرار الببغائي. غير ان المفاجأة تبرز من المشاهد الاولى حين يطلّ المخيم من خلال صورة تستحق ان تكون الفاتحة. صورة المخيم في لقطة من ارتفاع يُلزم برؤية الضيق الذي يسم المساحة العائدة له. وهو ضيق يكاد لا يوفر الكاميرا، التي يتراءى لنا انها تحاول الخروج من فخّ المكان الذي اوقعها فيه ماهر أبي سمرا، وأوقع نفسه معها. لكن محاولات الكاميرا للخروج او الافلات تبدو هي الأخرى عقيمة، ومن دون فائدة، بل وضرباً من الخرافة. فالمخيم في الشرط اللبناني كناية عن هوة سحيقة لا قرار لها، ولا يملك من يعيشها إلا التأقلم مع شروطها التي تقود بحسب خلاصة الفيلم إلى الإذعان الكامل لمقتضيات <<الموت غير المعلن>>. فضلاً عن العوائق الكثيرة المانعة، سواء بالجدران أو بالبشر الذين ينتصبون جدراناً إضافية تسور الرقعة/المساحة، المفتوحة على مضغ شبه آلي للوقت. مضغ يستمر ويستمر في ما يشبه الإدمان. فتميل الكاميرا الى نوع من التسليم لا يمنع انتفاضات بائسة تقوم بها بين آونة وأخرى، في لقطات متفرقة لا تملك ان تخفف من وطأة الحال الموسومة بأنين مكتوم يخرج على صورة كلمات منسية أو عالقة على الشفاه، تتدحرج كيفما وأينما اتفق.
ترسم اللقطات الاولى المصحوبة بصوت يطلب التبرع بالدم يبثه مذياع مجهول، الإطار الجغرافي المحدّد للشريط، فالصوت الذي يرتدي هنا معنى اللغة، أو قوامها، هو الآخر حبيس الفخ المعمم، وتجيء الوسيلة البدائية (المذياع) للتواصل مع <<من يود التبرع>> بحسب صوت المذيع، لتظهر طبيعة الزمن الخاص بالمكان وناسه. إنه زمن عالق لا يقوى أن يخالف إرادة مكانه المتهالك.
ثمة موت مبثوث في كل ثنايا الشريط. موت من نوع خاص، موت محقق، يأتي هنا مترافقاً مع صخب تعس يحتل الرقعة المفتوحة على الغياب الدائم. في المخيم وبحسب الكاميرا يتساوى الغياب والحضور، ويشتركان في تبديد البشر. فالغياب الذي يسم أشياء الرقعة والذي يتجلى بمحاولات الهجرة او حتى فكرتها، يتقاطع مع حضور له طعم ولون الغياب، ولا يختلف عنه في شيء.
في المخيم، كما في خارجه، الهوية لعنة يصعب الإفلات منها. تحاصر حامليها، حتى في أحلامهم المتواضعة، حتى ان من ينجح في المغادرة، مغادرة المخيم، او الحفرة، فإنه يبقى ممسوساً ولا شفاء له ربما بغير الموت. لكنه الموت الاضافي، الذي يأتي ليتم موتاً محققاً سبق له ان طبع الحياة.
قاسٍ هو شريط ابي سمرا، وتكمن قسوته في مباشرته ووضوح إرادته في اختراق الغلالة الفاصلة والنفاذ الى حيث يقيم الوجع. وإظهاره عارياً لا تشوبه شائبة. بناءً على ذلك ربما يصير ممكناً فهم رغبة المخرج في مخالفة منطق الرواية، او الحكاية السهلة، التي تعتمد التسلسل المنطقي للأحداث، فملاحظته لمكامن الألم الحقيقي وملاحقتها فرضت عليه ان يتعامل مع موضوعه انطلاقاً من رؤية، مخالفة، ألزمته بدورها ان يكسر مع أنواع القص البصري المألوف. وبكسره للتتابع او التسلسل فإنه حقّق مراده في جعل التعبيرات تأخذ بعداً متصاعداً وصولاً لذروة هي في الحقيقة تأكيد على حقيقة لم تفارق دقائق الفيلم وفحواها التأكيد على السقوط الكامل للمخيم وأهله.
مشكلة الأفراد الواقعين في حفرة ابي سمرا، الواقع بدوره في حفرة الافراد ومعهم المكان، ليست في الفقر والتبطّل وحسب، انها في مكان آخر لم يرد الشريط ان يفصح عنه. وربما السبب في عدم الإفصاح هو رغبة المخرج في أن يترك لمشاهديه الحرية في التكهن. غياب الحكاية عن بنية الشريط هو في وجه منه الحكاية التي نجح ابي سمرا في التقاطها، إنها الحكاية المكرورة لكنها في هذا الشريط تبدو للحظة أنها جديدة، فهي هنا سافرة، ولأنها كذلك فهي صادقة ومؤلمة في آن واحد.
كم كانت موفقة فكرة ان يكون العرض الاول للفيلم في المسرح ذاته. في المخيم. بدا الناس الذين حضروا العرض انهم امام مرآة كبيرة تعرض صور اناس آخرين لا يعرفونهم، وهذا ما جعلهم ربما يتزاحمون على احتلال المقاعد، وإحضار اولادهم. وكان لافتاً أنهم تعاملوا مع الفيلم بحيادية معلنة.
ختاماً يمكن القول إن فيلم دوار شاتيلا يصيب من يشاهده بتيار من الخوف، خصوصاً عندما يعرف أنه يعيش على مقربة جغرافية ونفسية من هؤلاء الناس الذين لم يترددوا في إعادة استقبال صورتهم الجديدة في حضور الإغراب الذين كناهم. في شريطه الجديد بدا ابي سمرا اكثر وثوقاً بنظرته إلى الاشياء، او لنقل انه بدا أقل تردداً. خلافاً لشريطه السابق <<نساء من حزب الله>>، فجعل كاميراه تحاور أشياءه بحنو مجرب، مصحوب بقسوة مردها الحقيقة، حقيقة الاشياء التي يصوّرها. لم يُدر كثيرا. تقصّد ان يكون مباشرا قدر المستطاع، على ان مباشرته هذه لم تجعله يقع في التنميط المعروف عن صورة رائجة ومتداولة، عنيت صورة الانسان الفلسطيني الذي جعله الوقت سجين حكاية مملة نتناقلها في ما بيننا، ما يزيد من عدد قضبان سجنه الاصلي.
بدا ابي سمرا في تجربته الجديدة ناضجاً، وقدماه اكثر رسوخا، وقد نجح في امتحان صعب بدا في لحظات انه ممتنع عليه. ولعل سرّ نجاحه وقوته انه لم يقارب موضوعه من موقع الإشفاق أبداً. برغم ان الضحية التي اختار الوقوف عليها، او عندها، تستحقّ شيئاً من الإشفاق هو في جوهره إشفاق على الذات قبل الآخر.
تكمن أهمية الشريط انه بقدر إحاطته بآنية الوقت الفلسطيني فإنه تجاوزها الى ما هو اعمق، وما هو اعمق له صلة اكيدة بالهوية ووجودها. الارجح ان ابي سمرا اضاء بكاميراه مساحات معتمة من الوقت الفلسطيني الذي بات يثقل علينا جميعا، ولنا فيه مصلحة لكونه لا يقربنا من صورة ارتضت ان تغادرنا قبل الموعد.
