arabfilm.net

الصفحة الاساسية > Maher Abi Samra > Rond Point Chatila > ’دوار شاتيلا’ فيلم لماهر أبي سمرا استحالة المكان - هدى طه

’دوار شاتيلا’ فيلم لماهر أبي سمرا استحالة المكان - هدى طه

الاثنين 9 أيار (مايو) 2005, بقلم arabfilm.net

يصور ماهر أبي سمرا في "دوار شاتيلا" من سطوح المباني. فتحة العدسة مأسورة بين الجدران التي تحدد المسارب الضيقة في مخيم شاتيلا. العدسة اضيق من العين، ومع صور ماهر أبي سمرا ستكتشف ان العدسة نفسها لن تخلص المخيم من الضيق. لن تجعل الصورة شاعرية وشاسعة وغنية بالتفاصيل. ثمة الجدران التي تحيط بزاويا التصوير من كل جانب. انه فيلم عن الضيق. عن صعوبة التنفس. لكنه ايضاً فيلم عن استحالة التمثيل.

ملحق النهار بلال خبيز

يصور ماهر أبي سمرا في "دوار شاتيلا" من سطوح المباني. فتحة العدسة مأسورة بين الجدران التي تحدد المسارب الضيقة في مخيم شاتيلا. العدسة اضيق من العين، ومع صور ماهر أبي سمرا ستكتشف ان العدسة نفسها لن تخلص المخيم من الضيق. لن تجعل الصورة شاعرية وشاسعة وغنية بالتفاصيل. ثمة الجدران التي تحيط بزاويا التصوير من كل جانب. انه فيلم عن الضيق. عن صعوبة التنفس. لكنه ايضاً فيلم عن استحالة التمثيل. يبدأ ابي سمرا من فتحة بين جدارين. جدران ليست صماء مثلما هي العادة. فما ان تتحول الكاميرا عن نظرتها البانورامية - والقول ببانورامية الكاميرا يحتاج تفسيراً طويلاً - حتى تكتشف ان هذه الجدران ليست مثلما تبدو للناظر العابر. اصلاً يكشف الفيلم انه يستحيل العبور في هذا المكان. العبور الذي نعني به ان يمر المرء ساهياً وشارداً على رصيف في شارع مكتظ. الاكتظاظ لا يجعلك في هذا المكان غفلاً ولا يسمح لك ان تمر من دون ان تترك اثراً. كل الآثار واضحة لأن المكان زائل والأجسام هي صروح المقيمين. الآثار على الأجسام واضحة وتترك ندوباً في كل مكان. من المقابر إلى البيوت فالأزقة فالأجسام. هذه الآثار تدلك من دون تردد أنها عابرة وزائلة. لا القبر قبر ولا البيت بيت، وليس ثمة ما يثبت ان الجسم جسم أو ان الموت ابدي ولا يمكن نسيانه. ليس امراً مستغرباً على صانع افلام يعرف موضوع فيلمه جيداً، ان يبدأ فيلمه باستجواب الجلد العاري. يبدأ الفيلم بمشهد شاب يكشف عن اوشامه التي زرعها على جذعه كيفما اتفق. احد الأوشام يحمل اسماً لصديق، يقول صاحبه انه يحبه اكثر مما يحب نفسه. نحفر اسم الصديق على الجلد ذلك ان الجلد وحده هو ما نملكه في هذا المكان حقاً. إذاً ليس البيت وليس الشارع، فهذه كلها منصات لعروض مؤلمة وشديدة الفضول. يقول الشاب من ثم: هنا لا امل لك، عليك ان تقطع الوقت بما يتيسر لك، خناقات وضجر واستعداد لكل احتمال. لدى المرء الوقت الكافي ليكون اي شيء. ارهابياً او سارقاً او قاتلاً مأجوراً. انه الوقت الذي يضني صاحبه اذا تحكم برقبته. الوقت الذي يجعلك تعتدي على وقت الآخرين، على نظامهم وروتينهم، تستوقفهم وتشغلهم لتعلن ان الوقت هو القدر. وانك ما لم تستعن عليه بأي شيء فقد يقتلك عامداً متعمداً. الشاب نفسه، يعرض اوشامه، لكنه لا يعرض ندوبه. ندوب كثيرة ومزدحمة على البطن والصدر، لا يُسأل عنها، وهو من جهته لا يهتم لشرح اسبابها. لكن العدسة تلتقط حائرة هذه الندوب. ربما لتقول لنا انها لم تعد مهمة لأحد منذ زمن بعيد. لا احد هنا يهتم اليوم بما سلف. الحاضر شديد الوطأة ويشبه القدر نفسه. كيف يمكن فيلما من هذا القبيل ان يعمر في خزائن المخرجين وارشيفات المؤسسات الفنية؟ في مخيم شاتيلا عليك ان تقتصد في الأسئلة. عليك ان تترك الوقت الجاثم فوق الجميع يأخذك إلى حيث يشاء. ليس مهماً ان تبحث عن الشهداء ولا عن الموت الذي كان لأزمان طويلة صفة المخيم الوحيدة. عليك ان تنساق للوقت وهو يعلمك انك لن تستطيع الخروج من اسره والعودة إلى بيتك إلا إذا كنت سائحا. قد يكون من الأفضل ان تبحث في الفيلم عن دواخل البيوت. عن النساء وهن يعددن الطعام. ربما لتطمئن ان هؤلاء ايضاً يأكلن ويشربن ويتحاببن. وان هذا المكان يستطيع ان يكون رقيقاً مثلما يستطيع ان يكون ضاحكاً. الحزن ثقيل ومخيم على المكان. لكن شدة الثقل تتكشف لك عن خفة عابرة. فتاتان تتحدثان، وهما تعدان التبولة، عن تجربتهما في نقل جثمان احد الشهداء من قبر إلى آخر. تضحكان من نفسيهما ومن رومنسيتهما المفرطة حيال الموت. التمسك بطقوس عائلية حيال الموت لا يبدو معزياً. ثمة موت يأكل في الصحن اليومي لهذا المكان. ثمة اقارب واحبة دفنوا في أفنية البيوت. انت تعيش في هذا المكان وسط مقبرة. كل الناس داروا دورتهم هنا من الولادة إلى الموت، ورُبطوا إلى المكان بحبال لا تفك عراها. الأمل ان تخرج من المكان إلى ابعد مكان تستطيعه. ان تحرق سفينتك وجنسيتك ما ان يتسنى لك ان تصبح مجهولاً وغفلاً. ان لا تعود إلى المكان حتى ميتاً. يمر الفيلم في شاتيلا، لكنه لا يغادره. شاتيلا في الفيلم هو المكان الذي يمكن تسجيله. يمكن حفظه في ارشيف. مكان عابر وزائل، لكنه يمسح اعماراً برمتها قبل زواله. في عبور المكان وثباته على صفة الزوال ما يجعل اعمار هؤلاء تمر كما لو انها طرفة عين. ستُحلّ القضية عاجلاً ام آجلاً. والمقيمون هنا يعيشون في لحظة انتظار، لا تتجاوز فاعليتها لحظة انتظار المرء في طابور امام شرطة الحدود. فقط ستظهر جواز سفرك ويختم عليه الموظف ليثبت انك عبرت، ثم ستذهب إلى حيث تجعلك الجغرافيا مجهولاً تماماً. لحظة انتظار موقتة. ولا شيء يستطيع المرء ان يفعله في الانتظار. فقط في وسعه ان يلعب الورق، او يلعب بالسلاح، او يلعب مع الموت. يلعب لأن اللعب هو المادة الخام الوحيدة التي يمكن المنتظر ان يصقلها ويجعلها قابلة للتأمل والقص. إذاً لن تستغرب وانت تشاهد الفيلم ان تجد كرسياً فارغاً، ثم يملأه اي كان. كرسي اعتراف، امام ضابط التحقيق. يقول ما يتوجب عليه قوله، وليس مهماً ما يقوله، فهو مدان اصلاً. ثم يختفي. مدان لذا لا يخرج من هذا المكان غير الحكايات. حكاية الرجل الذي اصيب في واحدة من حروب المخيمات. اصابات بليغة، ما زالت تجرجر اذيالها في جسمه منذ سنوات. ان يقف المرء امام اصاباته، يعني انه يعيش في جسمه. يدرك ان موته سيأتي من الداخل، من الجسم نفسه الذي لم يعد قادراً على احتمال التعرض للحوادث. يقيم في جسمه، مثلما يقيم الموتى في أفنية البيوت. ومثلما يقيم الشيوخ في ذكرياتهم، ومثلما يقيم الشاب الموشوم في ضجره. كلهم يقيمون في امكنة تخصهم، لكنهم موجودون جميعاً في هذا المكان. محض مصادفة ثقيلة؟ ام انه اجتماع بشر على معبر حدودي؟ لا احد يعرف، لكننا منذ اللحظة التي ننتهي فيها من مشاهدة الفيلم، ندرك ان هذا المكان اصبح قريباً ويمكننا ان نعيّن حدوده في دقة شديدة. هل يمكننا ان نأمل، ذات يوم، بإمكان النظر إلى مخيم شاتيلا، النظر العابر، ثم ندرك بعده اننا مررنا في هذا المكان؟ احسب اننا لن نستطيع. فشاتيلا مثلما يظهر من داخله العميق، كما استطاع ابي سمرا ان يصوره، لا يمكن العبور فيه واكتشاف شيء. إلا اذا كنا نريد ان نجعل الموت المفاجىء وغير المرغوب فيه لوحة نضعها في إطار. لم ينزلق ابي سمرا في تصوير جماليات البؤس. كان يعرف منذ اللحظة الأولى ان السكان هناك يقيمون في اجسادهم وذكرياتهم ولا يقيمون في المكان. وكان يعرف ان الصور تستحيل ان تتحقق في مكان ليس اكثر من مساحة للعبور. العبور الطويل والمكلف والمضني والمدمى. لكنه عبور فحسب. انه فيلم عن الضيق، عن صعوبة التنفس، عن استحالة التمثيل، لكنه اولاً واساساً فيلم عن استحالة المكان.

صالة العرض

الرد على هذا المقال


متابعة نشاط الموقع RSS 2.0 | خريطة الموقع | المجال الخاص | SPIP