<<دوّار شاتيلا>> فيلم لماهر أبي سمرا:
عندما لا تكون الإجابة: <<تمام>> أو <<زفت>> على <<كيف الصحة؟>> <<ما بعرف، بحسّ الوقت عم يمر بسرعة، بسرعة مش عم حسّ عليه.. بس بحسّ إنو ما عم بوصل ع نتيجة، بدي أحسمها هيدي السنة، يا شمال يا يمين يا بحر يا برّ.. بس ما عم تنحسم معي كمان، إنو ع كل الطرق تعبان.. يعني قلتلك طموحاتي أكبر مني وأحلامي أكبر مني.. ف عمّ بحاول آخد شي منهم، أقل شي يعني.. أعمل متل غيري ع القليلة، كون مرتاح ومريّح راسي.. أنا حابب ارتاح يعني.. قدّمت كتير وعطيت كتير، حابب إنو أعطي شوي لمستقبلي.. يعني لحياتي.. يمكن بالهجرة أمّنها، يمكن بإيجاد وضع معيّن أحسن من اللي عايشينه بالمخيّم>>.
هو شاب في منتصف الثلاثينيات من العمر أو ربما في أواخرها. يرتدي <<تي شيرت>> أخضر اللون و<<شورت>> غامق ويجلس إلى حافة في طريق أضيق من الأحياء، بالقرب من باب هو لبيت. يقول ما يفكر به، يبدو أنه فكّر به طويلاً إلى حد غابت عن قوله أية علاقة بالتسلسل الواقعي. ربما، عندما بدأ بالتفكير، كان يعرف تماماً ما الذي يريده من طموحه. لكن الوقت مر طويلاً، طويلاً وبطيئاً، فبات الوقت سريعاً في تغلّبه على الطموح. يريد تغييراً ويبدو مؤمناً به كإيمانه برفضه لعيش ما يعيشه يومياً. لكن شيئاً لن يكون، القرار ليس بيده. فلقد اتُخذ قرار دولي يمنع عن أهل مخيم شاتيلا وسواه من المخيمات أن يكون أي قرار بيدهم.
رقم القرار المتخذ دولياً هو 194 واسمه: <<حق العودة>>. باسم العودة، انتظروا. ما الذي تنتظرونه؟ الكثير. لا، ليس الكثير، أنتم تنتظرون العودة. لا يحق لكم أن تنتظروا سواها.
<<دوّار شاتيلا>> هو فيلم لماهر أبي سمرا لا يبحث في شاتيلا عن تأكيد إضافي على <<عظمة النضال الفلسطيني>>. لا يبحث عن أحلام الفلسطينيين بالعودة إلى أرضهم ولا عن إصرارهم على العودة ولا عن علاقة حميمة تربطهم بفلسطينيي الداخل ولا عن وعي سياسي ينمو بالفطرة داخل شرايين الجنين قبل أن يكتمل نموه. لا يبحث عما يمكن أن يحصد التصفيق في حياة الفلسطينيين. ويقسو كثيراً وهو يبتعد عن ذلك كله. وعندما يسأل: <<كيف الصحة؟>>، لا ينتظر جواباً من إثنين: <<تمام!>>، بحيث تتضح إرادة الحياة، أو <<زفت>> بحيث يتضح سوء الوضع. عندما يسأل: كيف الصحة؟ ينتظر الجواب التالي:
في العام 1995، استبدلت شرياناً في قدمي وكلفتني العملية 4 آلاف دولار. بعد أشهر قليلة، انفجر. فاستبدلته بشريان كلّفني ألفي دولار. في العام 1998، انفجر. توجهت إلى عيادة جرّاح لبناني أعرفه منذ كان وحيداً في المخيّم أيام حرب المخيمات، أمرني بقطع رجلي. كنت قد استدنت 6 آلاف دولار حتى اللحظة ولن أستغني عن رجلي. فعدت إلى عيادة طبيب فلسطيني في المخيم، قال لي: أحضر لي شريان بلاستيك. أحضرت له شرياناً، استبدله، ثم وجد في جسمي آخر وقد غصّ بالدماء فعالجه بدبوس وسالت الدماء. ومنذ ذلك الحين، مشى حالي بانتظار انفجار شرياني جديد. في هذه الأثناء، كانت يدي مشلولة، وهل ترى تلك العظمة كيف تخرج بشكل معاكس من موقعها؟ وانظر إلى معدتي، معدة مقطّعة بفضل سكين أو آلة حادة وليس نتيجة الرياضة. هذه هي صحتي.
يبدأ <<دوّار شاتيلا>> بتحديد للزمان والمكان: مخيّم طوله كيلومتر وعرضه 600 متر، ولد في العام 1949، وعاش تلك الأحداث على إيقاع الحرب اللبنانية. يرسمها أبي سمرا على خلفية سوداء، كلوح أسود في مدرسة أو رقعة أمام قلم أبيض، دائرة تحيط بها طوائف: الموارنة و<<القوات اللبنانية>> في تعاونهم مع إسرائيل فمجزرة صبرا وشاتيلا. الشيعة و<<حركة أمل>> في تعاونهم مع النظام السوري فحرب المخيمات. ومن ثم الجيش اللبناني وحروب داخلية، فإعلان السلم الأهلي ومنع كافة الحقوق المدنية والاقتصادية والاجتماعية عن الفلسطينيين، إذ أنهم هم الذين تسببوا بالحرب الأهلية، لكن الدولة اللبنانية لا تمنعهم من حقوقهم بسبب ذلك وإنما خدمة لهم: حق العودة. إنه القرار 194، مجدداً. كالكابوس يحط بين مريديه.
يريدونه لكنه كابوس. الأمر يشبه كثيراً الضحكة الصفراء على وجه ذلك الشاب وهو يخبر صديقه في ذكرى المجزرة بأن شوارع الأشرفية تفيض بصور بشير الجميّل. يعيشون في بلد يرفع صور بشير بينما هم يتذكرون المجزرة التي نفذها بحقهم حزبه. وماهر أبي سمرا لا يكتب الحرب في مقدمة الفيلم وكأنه <<غير متفق على تطورها>>. يكتبها كما عرفها. يلقي بقناعاته تامة، وقناعاته ليست أوهاماً خاصة، فلقد تسجّلت تفاصيلها بالدم. هؤلاء هم الذين مارسوا الإجرام (وليس الحرب) في هذه البقعة الجغرافية وهؤلاء هم الذين مارسوا الدعم لصالح المجرمين. وعلى النحو ذاته، وبعيداً من الطبشور واللوح، وداخل وسط الحي الضيق حد الاختناق: تلك هي حياة الأحياء ضمن هذا الكيلومتر طولاً وتلك الأمتار عرضاً.
كم هائل من الانتظار عن نواصي الشوارع، أبواب الدكاكين، كراسي البلاستيك. إنتظار يكاد يكون أكثر قسوة بكثير من الحفر ومن الفقر ومن الجراح في الأجساد وفي الذكريات. انتظار لشيء لن يأتي. وطال الإنتظار حتى بات الشيء الذي لن يأتي مبهم المعالم. ما الذي يأتي إلى هنا إذاً؟ ربما الصباح والمساء وقد عبر بينهما الظهر ونداء في المئذنة للتبرع بالدم. ربما مجموعة مملة وقاهرة من الخبراء الأجانب، خبراء في كيفية إصلاح حال مَن لا يعيش الحياة مثلهم. القليل من الشفقة هنا، القليل من الظلم هناك. وتنطلق التظاهرة التلقائية ضد الشفقة وضد الظلم في المخيم بعد 5 أيام من انقطاع الكهرباء: >>بدنا الكهربا.. بدنا الكهربا>>. لكن لتطالب مَن بماذا؟ فلنتجه إلى مركز <<الصاعقة>>، بعيداً عن طيف الأجانب الممول لمؤسسات الرعاية والتنمية، وبعيداً عن الخنوع لظلمة تستمر وتستمر وما عاد يمكن الاستمرار معها. ستبقى الكهرباء مقطوعة وسيبقى الأجانب على زياراتهم التشجيعية. لكن التظاهرة تكوّنت من غاضبين يخطبون ويشتمون ومن شبان يضحكون ولا يصدقون.
يشتم أحدهم أميركا وما تعتبره إرهاباً وما تمارسه من إرهاب، فيضحك صبية يجلسون إلى جنب الطريق من <<خطابه>>. تكنّس سيدة مدخل محلّها وتأبى أن تكنس بعيداً عنه: هنا أراضي 48 وهناك 67. تلك نكتة وليست <<مقاربة رمزية>>. فالكهرباء مقطوعة، بالفعل. فلسطين مشتهاة أيضاً. والعجوز الذي بات في الخامسة والسبعين من العمر لا يزال عاجزاً عن <<تربية أصدقاء>> له هنا في المخيم إذ أن أحداً من أبناء قريته لا يشاركه العيش فيه: <<الحياة في الضيعة غير الحياة في المدينة>>. ربما لذلك هي قاسية عليه، يحن إلى ضيعته ويعيش في المدينة التي اسمها مخيم، طولها كيلومتر وعرضها 600 متر تأسست في العام 1949.
النسوة يتحدثن عن قبور لشهداء افترشن أرضها وغنين فوقها للشهيد ما كان يحبه من أغان. بعدما يروين تلك الحواديت يضحكن من... لا يعرفن ما الذي يضحكن منه، لكنهن يستغربن من سهراتهن الماضية تلك: هل يعقل أن نسهر فوق قبر شهيد وأن نغني له أغنيته المفضلة؟!
الكاميرا التي تصور الجميع ليست غريبة عن أحد، هنا. الأرض التي يرويها الجميع شعراً ودماء ليست غريبة عن أحد، هنا. اليوميات التي يندبها الجميع ليست غريبة عن أحد، هنا. الموت الذي يعتبره الجميع مغذياً للحياة ليس غريباً عن أحد، هنا. الحقوق الممنوعة، الفراغ المسمى عمراً، الاحلام والطموح، البطالة، الجميع في المخيم خبروا كل الصور المعممة عنهم. عاشوها طويلاً. أدّوها أمام الكاميرا في أزمنة مضت. يعرفون كل ما يريده الصديق والعدو منهم. سئموا ذلك كله. الفيلم العربي يُتابع في الغرف. ووقت التنظيف مرتبط بلحظة وصول المياه. فلسطين جميلة وبعيدة. الثورة أيضاً. الطموح متوفر. والأطفال يؤمنون أكثر الصور <<تعبيرية>> لطالبها. المخيم هو أي مخيم تريدونه. <<تكرم عينكم>>.. لكن، متى ستعود الكهرباء؟!
عرض فيلم <<دوّار شاتيلا>> يوم الجمعة الواقع في 29 نيسان 2005 في قاعة الشعب في مخيّم شاتيلا عند الثامنة والنصف مساء
.